ابن قاضي شهبة
57
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
يحكي عن بعض مشايخه ، قال : شهدت أمّ الشافعي وأمّ بشر المريسي « 1 » بمكة ، عند القاضي قال : فأراد أن يفرق بينهما . فقالت أم الشافعي رضي اللّه عنه : ليس لك ذلك ، لأن اللّه تعالى يقول : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى « 2 » فلم يفرق بينهما . ولا تعرف هذه المسألة منقولة في مذهب ولدها . قال حرملة : سمعت الشافعي يقول : كنت صبيّا بمكة ، فرأيت في المنام رجلا ذا هيبة ، يؤمّ الناس في المسجد الحرام ، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس يعلّمهم ، قال : فدنوت منه ، فقلت : علّمني . فأخرج ميزانا من كمّه فأعطاني . فقال : هذا لك . قال الشافعي رضي اللّه عنه : وكان ثمّ معبّر ، فعرضت المنام عليه فقال : إنك تبلغ وتصير إماما في العلم ، وتكون على السبيل والسّنّة ، لأن إمام المسجد الحرام فوق الأئمة كلهم ، وأفضلهم ، وأمّا الميزان ، فإنك تعلم حقيقة الشيء في نفسه « 3 » . رواه أبو عبد اللّه بسنده عن حرملة وقال حرملة : سمعت الشافعي يقول : ما أفلح في طلب العلم إلّا من طلبه بالقلة ولقد كنت أطلب ثمن القرطاس فيعزّ علي « 4 » . وقال الربيع : قيل للشافعي : إلى متى يحسن بالمرء أن يتعلم ؟ قال : ما دامت الحياة ، يحسن به « 5 » رواه ابن غانم ، بسنده عن الربيع ، وقال الربيع : سمعت الشافعي يقول : أقدر الناس على طلب العلم الفقراء « 6 » رواه الآبري عن الربيع ، وروى أبو نعيم بسنده عن
--> ( 1 ) بشر المريسي : أحمد أصحاب أبي حنيفة ، وكان وافق المعتزلة في خلق القرآن ، وأكفرهم في خلق الأفعال ، وقال ابن تيمية كان من المرجئة . بل من كبار الجهمية ، وروى ابن زنجويه عن أحمد بن حنبل قال : كنت في مجلس أبي يوسف القاضي حين أمر ببشر المريسي ، فجرّ برحله فأخرج . ثم رأيته بعد ذلك في المجلس . ورغم ورعه وزهده ابتعد عنه الناس لأنه كان من أصحاب الكلام وخوضه في ذلك . أخذ بشر عن القاضي أبو يوسف ، وكان له قدر عند الدولة لقوله بخلق القرآن ، وكفّره بعض العلماء ، له مصنفات مات سنة 218 ه . السبكي الطبقات 2 / 179 ، الذهبي : سير أعلام النبلاء 10 / 199 - 202 ، البيهقي : مناقب 203 ، 204 ، ابن تيمية : منهاج السنة 1 / 256 ، وانظر خبر شهادة أم الشافعي وأم المريسي أمام القاضي بمكة في : مناقب البيهقي 1 / 203 . ( 2 ) سورة البقرة ( 2 ) الآية 282 - . ( 3 ) مناقب البيهقي 1 / 99 . ( 4 ) البيهقي : مناقب 2 / 141 ، الذهبي : سير أعلام النبلاء 10 / 79 . ( 5 ) البيهقي : مناقب 2 / 138 ، 141 . ( 6 ) انظر : آداب الشافعي ومناقبه ، لأبي محمد الرازي 1 / 134 .